الخطيب الشربيني
415
مغني المحتاج
القاضي حينئذ عن إحضاره بنفسه وبأعوان السلطان ، فتسمع البينة عليه حينئذ ويحكم عليه بغير حضوره وبغير نصب وكيل ينكر عنه لتعذر الوصول إليه كالغائب وإلا اتخذ الناس ذريعة إلى إبطال الحق . وهل يحلف له المدعي يمين الاستظهار كالغائب أو لا لقدرته على الحضور ؟ وجهان صحح منهما البلقيني الأول ، لأن هذا احتياط للقضاء ، فلا يمنع منه ذلك ، وجزم صاحب العدة والماوردي والروياني بالثاني ، وهو أوجه كما صححه الأذرعي وغيره . تنبيه : هذا كله إذا كان الخصم الخارج عن البلد في محل ولاية القاضي ، فإن كان خارجا عنها فالبعد والقرب على حد سواء ، فيجوز أن تسمع الدعوى عليه ، ويحكم ويكاتب كما قاله الماوردي وغيره . ( والأظهر ) وعبر في الروضة بالمشهور ، ( جواز القضاء على غائب في ) عقوبة لآدمي ، نحو ( قصاص وحد قذف ) لأنه حق آدمي فأشبه المال ( ومنعه في حد لله تعالى ) أو تعزير له ، لأن حق الله تعالى مبني على المسامحة والدرء لاستغنائه تعالى ، بخلاف حق الآدمي ، فإنه مبني على التضييق لاحتياجه . والثاني : المنع مطلقا ، لأن ذلك يسعى في دفعه ولا يوسع بابه . والثالث الجواز مطلقا كالأموال ، وما اجتمع فيه حق لله تعالى ولآدمي كالسرقة يقضى فيها على الغائب بالمال دون القطع كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره وحقوق الله تعالى المالية كحق الآدمي ( ولو سمع ) قاض ( بينة على غائب فقدم ) أو على صبي فبلغ عاقلا أو على مجنون فأفاق ( قبل الحكم ) في الجميع ، ( لم يستعدها ) أو لا يجب عليه أن يستعيدها ، بخلاف شهود الأصل إذا حضروا بعد شهادة شهود الفرع ، وقبل الحكم لا d قضى بشهادتهم لأنهم بدل ولا حكم للبدل مع وجود الأصل . ( بل يخبره ) أي من ذكر بالحال ، ( ويمكنه ) بعد ذلك من ( جرح ) فيها وما يمنع شهادتها عليه كعداوة ويمهل لذلك ثلاثة أيام . وأما بعد الحكم فهو على حجته بالأداء والابراء والجرح يوم الشهادة ، لأنه إذا أطلق الجرح احتمل حدوثه بعد الحكم كما قالاه ، ولا معنى لاشتراطه يوم الشهادة ، بل لو جرحها قبلها ولم تمض مدة الاستبراء فكذلك ، فإن مضت لم يؤثر الجرح كما صرح به الماوردي . قال الأذرعي : والظاهر أنه لا عبرة ببلوغ الصبي سفيها لدوام الحجر عليه كما لو بلغ مجنونا . ( ولو عزل ) قاض ( بعد سماع بينة ، ثم ولي وجبت الاستعادة ) قطعا ، ولا يحكم بالسماع الأول لبطلانه بالعزل . تنبيه : لو خرج عن محل ولايته ثم عاد فله الحكم بالسماع الأول على الصحيح لبقاء ولايته . ثم استطرد المصنف لذكر ما لا يختص بهذا الباب فقال : ( وإذا استعدي ) بالبناء للمفعول من أعدى يعدي : أي يزيل العدوان ، وهو الظلم ، كأشكاه أزال شكواه . ( على ) خصم صالح لسماع الدعوى والجواب عنها ، ( حاضر بالبلد ) أي طلب من القاضي إحضاره ولم يعلم القاضي كذبه كما قاله الماوردي وغيره ، سواء عرف أن بينهما معاملة أم لا . ( أحضره ) وجوبا إقامة لشعار الأحكام ولزمه الحضور رعاية لمراتب الحكام . وقال ابن أبي الدم : إذا استحضره القاضي وجب عليه الإجابة لا أن يوكل أو يقضي الحق إلى الطالب اه . وهذا ظاهر . وعن ابن سريج أنه يحضر ذوي المروءات في داره لا في مجلس الحكم ، والمذهب أنه لا فرق . ويستثنى من وجوب الاحضار من وقعت الإجارة على عينة وكان يتعطل بحضوره مجلس الحكم حق المستأجر ، ذكره السبكي في التفليس من شرحه على المهذب وأخذه من قول الغزالي بعدم حبس من وقعت الإجارة على عينه ، وقال : لا يعترض باتفاق الأصحاب على إحضاره البرزة ، وإن كانت متزوجة أو حبسها ، لأن الإجارة لها أمد ينتظر ، وهو انقضاء المدة بخلاف النكاح . وفي الزوائد عن العدة أن المستعدى عليه إذا كان من أهل الصيانة والمروءة وتوهم الحاكم أن المستعدي يقصد ابتذاله وأذاه لا يحضره ، ولكن ينفذ إليه من يسمع الدعوى تنزيلا لسيانته منزلة المخدرة . وجزم به سليم في التقريب ويوم الجمعة كغيره في إحضار الخصم ، لكن لا يحضر إذا صعد الخطيب المنبر حتى تفرغ الصلاة بخلاف اليهودي يوم السبت ، فإنه يحضره ويكسر عليه سبته . قال الزركشي : ويقاس عليه